لا مدنية ولا دينية … عايزينها فلسفية

حاجة غريبة جداً، اليومين دول فيه حالة إدمان عامة للهتافات – كل الناس بتهتف: اللي ليه فيها واللي مالهوش، اللي فاهم واللي حافظ، اللي قاصد واللي خايف… واللي واللي…

اللي نفسه في دولة ليبرالية واللي لن يرضى غير بإسلامية واللي عايز علمانية واللي عايز ديموقراطية أو مدنية أو تكنوقراطية… أو ملوخية!

ورغم التنوع الزايد عن اللزوم واللي هيصعُب معاه إرضاء ذوق الجميع إلا إنه فيه صوت لسه ناقص كان لازم إني أهتف باسمه وإن كان بس على صفحات الانترنت!

والأغرب إن كل الهتّافين بيزعموا درايتهم الكاملة والتامة بكل ما تحمله هتافاتهم من معاني وساعات كلمات كبيرة وغريبة ومع ذلك أنا برضه أشك! ويحضرني بيت شعر لسه فاكراه من حصة العربي مع أستاذة آمال بيقول ” لا تنْهَى عن خلق وتأْتي مثْلهُ عارٌ عليْك إذا فعلْت عظيْمُ” وعشان كده لن أهتف إلا بما أفهمه وأعيه وأعنيه.

أنا بهتف وأقول عايزينها فلسفية – والفلسفة كلمة أصلها إغريقي وتتكون من مقطعين “فيلوس” و تعني الانجذاب أو السعي وراء أو الحب و “صوفيا” ودِه معناها الحكمة. يعني الفلسفة هي البحث عن الحكمة.

أيوه، أنا عايزة دولة تحكمها الحكمة. واللي مركز وواخد باله هيلاقي إن الحكم والحكمة (وكمان الحكيم اللي هو كان اسم الدكتور) ليهم نفس المصدر!

ومع ذلك فيه ناس هتتساءل: أي حكمة بالضبط؟ حكمة فلان ولا علان؟ أقوللهم الحكمة وبس. وليست الحكمة حكر على أي حد يقدر يخبيها أو يغيرها أو يزورها أو يضيعها! فلا يملك الحكمة فرد بعينه أو جماعة معينة أو مجتمع بحد ذاته أو حتى دولة!

مين اللي يقدر يقول إيه هي الحكمة؟ الحكمة باختصار وبدون ذواق هي القدرة على البصيرة ورؤية حقائق الأمور واضحة بدون صفصطة ومن غير حاجة للجدل.

أما اللي احنا شايفينه اليومين دول أغلبيته مافيهوش حتى ريحة الحكمة! لخبطة في الآراء وانفعلات مالهاش أساس – كل ناحية بتحاول تشد “القطيع” ناحيتها. مرة يجرجروه  بالجزرة ومرة تانية يخوفوه بالعصاية. وطبعاً أنواع الجزر كتير والعُصيان برضه كتير:

فيه مثلاً جزرة الحرية بلا حدود وجزرة أخيراً صوتك مسموع ومؤثر وجزرة هتدخل الجنة وجزرة العدالة الاجتماعية وجزرة التقدم العلمي وجزرة النمو الاقتصادي … أطنان من أقفاص الجزر المحلي والمستورد والقديم والمعفن والمستحدث والسيريالي وكمان الخيالي! أما العصيان بقى فليها ناسها: عصاية جهنم وبئس المصير وعصاية الطغيان والاستبداد وعصاية الفقر وعصاية هنبقى متأخرين عن أوروبا والدول المتقدمة وعصاية أنت معانا ولا مع التانيين وعصاية الفلول وعصاية لو مالكش رأي تبقى كنبة … حِزَم من العصيان الطويلة والمهيبة وإن كان طولها وغلظتها من مخيلة القطيع ذات نفسه.

والظاهر إن كل ناحية مش عايزة من القطيع غير بس إن عدده يكبر ويكتر. ولو فيه انقسام في الآراء ولو حتى بسيط يبقى الحل الطبيعي هو انشقاق جزء من القطيع لعمل حزب جديد مع تغيير طفيف في شكل العصاية أو الجزرة وساعات استبدال الجزرة بالعصاية أو العكس!

لكن يا ترى إيه هيبقى الحال لو مصر بقت دولة حكمة – دولة فلسفية؟ في الدولة الفلسفية يسود العدل ولا مكان للعبودية. وهنا العبودية المقصود بيها التعاسة اللي بنتسبب فيها بعبوديتنا لكل ما هو زائف: زي الطالب اللي بيدرس ما لا يفهمه والموظف اللي بيشتغل ما لا يحبه ويجيده والانسان اللي مرتبط بما لا يحتاجه أو يسعده.

دولة الفلسفة دولة بتحترم دور الدين في إرساء القيم والأخلاق ودور العلم في الكشف عن الحقائق ودور الفن في تقديم الجمال ودور السياسة في تحقيق العدالة ومش بس كده دِه كمان بتوجد الحاجة التي بتجمع ما بين جوانب كل الناس بتفرقها عن بعض أو بتحارب بعضها البعض. قوة الدولة الفلسفية في إنها بتكامل الدين والفن والعلم والسياسة – تخيلوا لو كل الطاقة اللي بتتصرف في إيجاد الفروق ما بينهم اتصرفت في إيجاد نقط الالتقاء – ولو كل المجهود اللي بيروح في اتجاه واحد منهم بيروح في نفس الوقت في اتجاه كل الباقيين. ولو حد فاكر إن ديه كمان تقليعة جديدة زي التقاليع التكنوقراطية دعوني أصححه: الدولة الفلسفية هي في الحقيقة الدولة الوحيدة القادرة على أن تجمع الفن والعلم والدين والسياسة تحت سقف واحد ومن غير خناق!

وزي ما دايماً إتعودنا في المدرسة لما بنلاقي نفسنا في مزنق ما بين طرفين متناقضين ومتطرفين – واحد بيطالب بالدولة المدنية والتاني بالدينية مثلاً – بندور على طول على الطريق اللي في النص اللي بيحقق التوازن لينا والتناغم مابيننا كلنا من غير ما يجور على حد أو يخليها سايبة. فبصراحة الدولة المدنية يعني هتبقى مهلبية والدينية يعني ما تفتحش بقك لا تأخد بالبُنيّة!

لو اكتشفت إن إنت مالكش لا في المهلبية ولا نفسك تضرب بنية وبتفكر تبني معانا الدولة الفلسفية أهلاً وسهلاً: باب المدرسة دايماً مفتوح ولا بيفرق على أساس الدين ولا الجنس ولا الشهادات ولا المعارف ولا الكوسة!

أضف تعليق