قد نتذكر ذلك المشهد من كتاب الموتى المصري والذي درسناه في مادة الدراسات الاجتماعية أو رأيناه مجسماً أثناء رحلة مدرسية إلى القرية الفرعونية الشهيرة على ضفاف النيل. ولربما نكون قد تعجبنا من سذاجة أجدادنا الفراعنة لاعتقادهم أنه من الممكن أي يزن قلب انسان ما يقل عن ريشة وإلا فلسوف يلتهمه التمساح المخيف في أقصى يمين المشهد. وأتذكر مدرس الفصل وهو يروي لنا حقيقة المشهد باستخفاف مشيرا بأنه من المستحيل أن يكون هذا له أي دلالة إلا عن عقيدة متشددة وحياة دينية صارمة لا مجال فيها للعبور إلى العالم الآخر دون الاستقرار في معدة ذلك التمساح. وعلى الرغم من أنني لم أفهم المغزى من ذلك المشهد الغريب أنا الأخرى إلا أنني لم أقتنع بتفسير المدرس.
ومرت الأيام وعرفت في أثناء دراستي لحضارة أجدادنا أن القلب هو رمز لنفس الانسان وطريقة حياته وأن تلك الريشة هي ريشة “معات” – رمز العدل والنظام في مصرنا القديمة. فكان أجدادنا كما يعلم البعض يقدسون الطبيعة ويحترمونها ويحاولون دوماً عدم الإخلال بنظامها والحياة من خلال مواقيتها ودوراتها في بحث دؤوب عن مكانهم ومكانتهم وسط تلك التحفة المثالية وهي الناموس الطبيعي للكون.
فلم يكن أبداً اهتمامهم بالفلك والبروج وأسرار النجوم مجرد فضول أو محاولة لإثباب قدراتهم العلمية وذكائهم التحليلي، ولم يكن تقديسهم لنهر النيل خوفاً من العقاب أو طمعاً في الثواب والحسنات، بل ولم يكن حبهم للموسيقا والرقص والفنون رغبة في التسلية ومضيعة للوقت: لا! فلم يكن كل عمل يقومون به وكل ظاهرة يقبعون على دراستها وكل نسك يتبعونه إلا محاولة مخلصة منهم لفهم الطبيعة بأسرارها وتعاليمها وآياتها الخفية ومحاكاتها بل والتعلم منها حتى يتمكنون من أن يعيشوا ويتعايشوا إتباعاً لإيقاعها في اعتدال وعدل.
فكان أجدادنا أكثر ما يغضبهم هو الظلم والفوضى وهما بالنسبة إليهم مترادفان، ولقد أطلقوا عليهما اسم “اِسفَت” وهو المفهوم المضاد والمقابل ل“معات”.
فيا ترى ماذا دفعهم لاختيار الريشة ليرمزوا إلى العدل والنظام؟ ألم يكن من الأفضل أن يرمزوا إليهما بقبضة حديدية أو ميزان موزون أو حتى بعين معصوبة كما نرمز نحن إلى العدالة الآن؟
إن العدل بالنسبة لهم كان عدلاً مبصراً يرى النظام ويميزه عن الفوضى. والنظام بالنسبة لهم لم يكن توازن قوى الخير مع قوى الشر حتى يعتدل الميزان. ولم يكن النظام والعدل أبداً يعتمد على العنف والترهيب أو حتى الترغيب.
لقد كان العدل والنظام لدى أجدادنا قيمة ومثلاً أعلى – فضيلة مطلقة سامية ترتقي بالانسان والمجتمع والدولة بل وبالعالم كله كما ترتقي الريشة بجسد الطائر الثقيل في مواجهة الجاذبية الأرضية التي تشده إلى أسفل لترفعه هي إلى السماء ليحلق إلى الأفق ذو البعد اللانهائي.
كما كان العدل في قناعتهم الفلسفية أعم وأشمل وأوسع من جدران المحاكم – فقد آمنوا أن العدل الخارجي في المجتمع هو انعكاس للعدل والنظام في الانسان ذاته وأنه لا مجال لإحقاق النظام في الدولة إن لم يعم النظام جسد ونفس وحياة كل فرد في المجتمع.
فلننظر حولنا الآن – بل فلننظر إلى أنفسنا: هل عدلنا في حياتنا وأعطينا كل شيء حقه؟ هل يعم النظام مشاعرنا وأفكارنا وآرائنا؟ هل نعيش حياة اعتدال أم حياة تطرف: نسرف في أشياء ونبخل في أخرى؟
فلنجعل معات تعم في كل منا أولاً قبل أن نبحث عنها جاهدين في من حولنا وما حولنا بلا جدوى!
