مصر هبة … أوزوريس

أكاد أجزم بأنه قد مر علينا جميعاً في إحدى حصص المواد الاجتماعية في المرحلة الإعدادية كلمة أوزوريس ولكنها غالباً ما كانت مقرونة بأسطورة إيزيس وأوزوريس. فأنا لا أذكر على الإطلاق أن تعلمنا شيئاً من سيرة أوزوريس إلا في سياق تلك الحصة الغريبة والتي كانت أحد أسباب اتساع الفجوة بيني وبين المصريين القدماء.

فلقد قصت علينا المُدرسة حكاية عجيبة يصعب حتى على طفل صغير تصديقها بل وأصرت أنها كانت بالنسبة لأجدادنا حقيقة واقعة – وازدادت الفجوة اتساعاً. فهي قصة عن زوجة ذات دموع سحرية (إيزيس) وأخ خائن (سيت) وتابوت محكم الغلق، ولم يكن لذلك الأوزوريس أي دور في القصة غير الرقاد في التابوت أو الموت… عدة مرات.

وبعد مرور السنين عرفت حقيقة الأسطورة والتي كنت قد أوشكت على نسيانها من قلة صلتها بي وانعدام أهميتها بالنسبة لي. فالأساطير في الأصل تحمل معاني ورموز تدفعنا للتفكير والتأمل واستنتاج ما ينفعنا من تعاليمها لنعيش به حياة أفضل وليست فقط مادة للتسلية وملء جدران المعابد والكتب!و لكننا نعيش الآن في عالم لا يقدس غير الماديات ولا يقرأ ما بين السطور وفقد القدرة تماماً على استشفاف القيمة من وراء الكلمة.

ولكن بغض النظر عن الأسطورة والتي سيطول قراءة ما بين سطورها (ولذلك فسوف نؤجل تناولها لعدد آخر) فإن أوزوريس كان رمزاً هاماً لكل المصريين. بل ومازال.

أوزوريس الذي يعود إلى الحياة في تلك الأسطورة يرمز للانسان القادر على تجديد نفسه وإعادة إحياء قيمه ومبادئه التي غالبا ما نتخلى أو نتغاضى عنها تحت ضغط الأهل أو العمل أو الحبيب أو الأصدقاء أو الإغراء أو … أو …

فأن تكون أوزوريس هو أن تكون قادر على التجدد. ولا أعني التجديد في طريقة اللبس أو الأماكن التي نرتادها أو حتى تغيير لون أو قصة الشعر. وليس تغيير الأصدقاء أو الانتماءات السياسية أو حتى الآراء والأفكار.

كلنا نتغنى بالتجديد والتغيير! أما الفارق هو أن التغيير لدى أجدادنا المصريين القدماء كان تجديداً لما يظهر عليه القِدَم ويبلى عن طريق ما لا يبلى أو يهرم!

نحن نعيش في عصر يُدفع فيه أمامنا بآلاف من المنتجات الجديدة كل يوم – سيارات وتليفونات ومأكولات ومطاعم وصيحات ملابس وأحزاب وتيارات فكرية و.. و.. و.. وكل جديد يستمد شرعيته ويأكد على أهميته من تعطشنا نحن لكل ما هو جديد ويرغمنا عن الاستغناء عما سبقه من تكنولوجيا أو تقنية أو صيحة أو فكر لمجرد أنه … جديد!!

وأسلوب حياتنا هذا طبعاً مجزي جداً لكل من يتربح من مرض الاستهلاكية التي يعاني منه العالم أجمع!

ولكن السؤال يظل: هناك شيء لا يمكن أن يبلى أو يهرم أو يستهلك في حياتنا الآن؟ هل هناك ما يمكن لنا أن نستخدمه نحن لنجدد أنفسنا كما فعل أجدادنا؟

أيهلك الكرم؟ هل تفنى الشجاعة؟ أيمكن أن تصبح النزاهة موضة قديمة؟ أو يصبح الصدق عجوزاً؟ هل تنتهي الشهامة؟ وهل يبلى العدل؟ إنها الأخلاق! المبادئ! المثل العليا! الشيء الوحيد الذي لا يبلى ولا يحتاج إلى تجديد لأنه دوماً جديد ومتجدد. وهو المصدر الوحيد إذا كنا حقاً نبحث عن إحياء أنفسنا وتجديدها!

ورغم أن كل ما ذكرته الآن أصبح مجرد كلمات لقيم نعتقد خطأ أنها مستحيلة المنال إلا أن أجدادنا أصابوها، وعاشوها! ورمزوا إليها بأوزوريس: الانسان الذي ارتقى من تعلقه بكل ما هو زائل ومؤقت وزائف ليتجدد بتحليه بتلك القيم الموجودة بداخل كل منا وإن غطاها التراب أو ضللنا طريقنا إليها!

وهذا ما تحتاجه منا مصرنا اليوم! أن نتجدد من داخلنا قبل أن نبحث عن الجديد في ما حولنا ونبتكر التقاليع في بحث مضني عن ما هو فينا في الأساس!

فقبل أن نقبل على التهام كل جديد يُقدم إلينا بألوان زاهية ومقدر له أن يَقدم ويزول لننفض أولاً العفار الذي تراكم على كل قيمة هُيأ لنا أننا فقدناها.

لنحيي أوزوريس في داخل كل منا حتى نعيد بعث مصر!

أضف تعليق