كيف نعيد بناء الدولة؟

الجزء اﻷول

لو أن الدولة هي الشوارع والبنايات لبنيناها بالطوب واﻷسمنت واﻷسفلت. ولو أنها اﻷشجار واﻷنهار لزرعنا وحفرناها. ولو أنها الجبال والوديان ﻷقمناها ومهدناها. ولكن الدولة ليست المرافق ولا المباني ولا حتى الطبيعة. على اﻷقل ليست كل هذا فحسب.

ولو أننا انتبهنا لما نراه من حولنا لوجدنا علاقة بين شخصية الناس في مجتمع معين وبين شخصية المجتمع ككل: فعلى سبيل المثال إذا كان الناس في مجتمع ما ضعفاء ومساكين صار مجتمعهم على شاكلتهم: ذليل وخاضع وعرضه للاعتداء والغصب. وإن كانوا ظالمين صار مجتمعهم متجبر وظالم.

فالدولة أولا وأخيراً هي الناس.

ولكن كيف تبني أناساً؟

إن نوعية الناس هي التي تحدد معالم الدولة. وإن ما يحدد نوعية الناس وقيمتهم هو ما يؤمنون به ويقدرونه ويقدسونه ويحترمونه فيحاولون الوصول إليه ويظهر في دولتهم كانعكاس لهم في مرآة عملهم ودأبهم.

فإن كان الرخاء المادي هو مطمع الناس ومنتهى أملهم صارت دولة تقدس الاقتصاد وترفع شأنه فوق كل شيء. بل وتكرس كل مواردها لتقوية الاقتصاد وتنميته.

ومثل تلك الدولة تري في الاقتصاد حلول كل مشاكلها ونهاية كل مآسيها وغطاء لكل عيوبها.

وأما إن كان العلم هو مأرب الناس صارت دولتهم دولة تقدس العلم للعلم. ترفع شأنه فوق كل شيء. وتكرس كل مواردها لإنشاء المعامل وإقامة البحوث.

ومثل تلك الدولة أيضاً تري في التقدم العلمي حلول كل مشاكلها ونهاية كل مآسيها وغطاء لكل عيوبها.

وعلى غرار ذلك يمكنك أن تجد الدولة الفنية – حيث يكون الفن هو المثل اﻷعلى – والدولة الدينية – والتي يلعب فيها الدين ذلك الدور والعديد من الأمثلة اﻷخرى بحسب ما يرى الناس فيه غايتهم.

ولذا فإن مصدر تعاسة الشعوب هو أن ننتظر أن تحقق دولة قائمة على قيمة معينة غير ما أقيمت من أجله! فننتظر من الدولة العلمية أن تحقق الجمال أو من الدولة الفنية أن تحقق الرخاء أو الدولة من الاقتصادية  أن تحقق السمو الروحاني أو أو…

ولكن أي دولة تحقق العدل؟ أي دولة تضمن للناس السعادة والتعايش الانساني؟

في البداية يجب على الناس أن تدرك أن العدل هو القيمة التي يسعون إليها وأن السعادة والاتحاد هو ما يرمون إليه. ولذلك يجب أن يتحقق العدل أولاً في كل فرد بكونه اللبنة اﻷساسية للدولة.

إن من لا يعرف كيف أن يكون عادلاً لنفسه لا يمكن أن يقيم العدل ﻷي شخص آخر. ففاقد الشيء لا يعطيه. وإن من فقد سر السعادة والسلام الداخلي لا يقدر أن يهب السعادة والسلام لمن حوله.

فلنبدأ بأنفسنا: لنقيم دولة العدل والسلام بداخلنا أولاً لنراها في كل ما يحيط بنا.

(يتبع)

أضف تعليق