كيف نعيد بناء الدولة؟

الجزء الثاني

لقد بدأنا في الجزء الأول من هذا المقال بسرد أنواع المجتمعات المختلفة ثم وصلنا إلى أن تعاسة الشعوب تكمن في انتطار أن تحقق الدولة غرضا لم تنشأ من أجله. وإن كنا نبحث عن دولة العدل فأي دولة تحقق العدل؟ أي دولة تضمن للناس السعادة والتعايش الانساني؟

إن التكامل بين عواميد الحضارة الأربعة: الفن والعلم والسياسة والروحانيات هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى دولة حضارية. والتكامل هنا يعني أن يؤدي كل منهم دوره دون أن يجور على الآخر ودون أن يرتدي عباءة غيره.

فالفن هدفه الجمال. الجمال الذي لا ينبع فقط من السيميترية في المظهر والتناسق في اﻷلوان ولا من التناغم في اﻷلحان فحسب. الجمال الذي يسمو إليه الفن هو الجمال في الفكر والعمل بحيث يكون العمل الفني مصدرا لإلهام الناس للسمو فكريا وأخلاقيا.

والعلم هدفه الحقيقة. الحقيقة عن الانسان ودوره في الحياة وكيفية التعايش مع البيئة واستخدام مصادرها بصورة مستدامة وعادلة دون اﻹضرار بأنفسنا أو بيئتنا.

والروحانيات هدفها الخير. وليس الخير هو مقابل الشر. ولكن الخير هنا يعني أصل وجوهر الانسان بكل ما يحويه من قيم نبيلة.

أما السياسة فهدفها العدل. والعدل هنا ليس مرادف من مترادفات الهتافات الثورية المختلفة ولا يجوز خلطه مع الحرية والكرامة. فالعدل الذي تسمو إليه السياسة بمعناها الحقيقي هو الأساس حتى يكون هناك حرية أو كرامة، فبلا عدل قد تصبح الحرية فوضى أو تختفي فتصبح عبودية. وبلا عدل قد تصبح الكرامة غرور وعجرفة أو تختفي فتكون ذل وهوان.

ولكن ما هي المبادئ التي يجب أن تقوم عليها الدولة حتى يتحقق هذا التكامل بين المجالات الأربع؟

أول مبدأ هو الاتحاد. حتى نقدر أن نبنى مجتمعأ جديدا وأفضل يجب أن نسمو إلى ما وراء اختلافاتنا التي لا تزول: من لون أو جنس أو عقيدة أو مستوى اقتصادي أو سن.

ثاني مبدأ هو تشجيع المعرفة المتكاملة والمقارنة في تلك المجالات اﻷربع. ومن شأن تلك الطريقة في البحث أن تصل بنا إلى التأكد من أن كل شيء يشير إلى حكمة واحدة وهذا ما يخلق انسان جديد غير الذي نراه اليوم. فاليوم لا يستطيع العالم أن يتفاهم مع الفنان ولا السياسي مع رجل الدين، حتى وإن كانوا جميعا في اﻷصل يرمون إلى نفس الشيء: مجتمع أفضل ودولة عادلة.

ولكي يتحقق كل هذا لا يجب أن ننسى العمل. فالمبدأ الثالث الذي عليه تقوم عليه الدولة الجديدة هو أن يعمل كل انسان على اكتشاف طاقاته الأخلاقية الكامنة والمختفية تحت غطاء من التعليم المسمم والتربية الفاشلة والفساد الأدبي. ولا يجب أن نقف عند ذلك فحسب، فيجب أن نتوج اكتشافنا هذا بالعمل على جعل هذه الطاقة في خدمة مجتمعنا – كل في مجاله.

إذا أردنا إعادة بناء الدولة فعلينا أولاً أن نعيد بناء أنفسنا. إلى العمل!

أضف تعليق