وكنا قد تعلمنا في مدارسنا أن شم النسيم هو عيد مصري قديم كان يحتفل به القدماء المصريون واحتفظنا به في تراثنا لمدة تزيد عن الخمسة آلاف عام من ضمن عدة احتفالات أخرى بدأت تندثر في السنين الماضية مثل عيد وفاء النيل وعيد القمح.
ولكن كيف يمكن لمناسبة غير مرتبطة بحرب أو سلام أو ثورة أو جلاء أو تحرير أو بالسياسة بوجه عام أن تقاوم الزمن وتستمر لتصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المصريين؟ ما هو سر شم النسيم؟
من المعروف أن أجدادنا المصريين القدماء كان لديهم ما يزيد عن المائة عيد في العام. ولكن مفهوم العيد لديهم كان يختلف كل الاختلاف عن مثيله في العالم الحديث. فالعيد هو فرصة للتذكِرة بقيمة أو رمز يساهم في بناء الانسان أو المجتمع، وهو بمثابة باب على العالم اللامادي يؤدي فتحه إلى استقبال عبير الأبدية واستحضار قوى سامية لا توجد في عالم المحسوسات ولكنها تصلنا بكل ما هو إلهي ومقدس (كما يجب أن يكون الحال في اﻷعياد الروحانية المختلفة).
فلم يحتفلوا بأعيادنا كما نحتفل نحن بها اﻵن والذي يمكن تلخيصه في كلمة واحدة: الإفراط: في الطعام والكسل والمتع الحسية بوجه عام. فعلى النقيض كان احتفال أجدادنا القدامى أقرب للمراسم والشعائر يقدسون من خلالها ما يرمز له العيد عن طريق العمل به وإحياء قيمته – ولكن ليس بالخطب والكلمات إنما باﻷعمال. فمثلاً لو كانوا يحتفلون بعيد العمل فلكان ذلك عن طريق تذكير أنفسهم بأهمية وقدسية العمل؛ فيُجيدونه ويُجَودونه في ذلك اليوم بالذات ويتذكرون أهميته الخاصة والعامة وينتجون أكثر من أي يوم آخر في محاولة للإبقاء على تلك الروح حتى العام التالي!
ولنرجع إلى عيد شم النسيم أو “شِمّو” وهو الفصل الثالث في السنة الفرعونية حيث ينحصر منسوب مياه النيل ويبدأ الحصاد. وتغيُّره من لفظة “شمو” إلى “شم النسيم” حدث تدريجياً على مدار العصور حيث انتهى بتحويل كلمة شمو إلى شم (أي استنشاق) وإضافة كلمة النسيم – ويعود ذلك إلى أن عيد شمو كان يأتي دوماً مصحوبا مع اعتدال في الجو وطيب في النسيم وارتبط بالخروج للطبيعة.
وأراد المصريون القدماء عن طريق احتفالهم بعيد شمو أن يتذكروا بداية الخلق والمرتبطة بإعادة البعث والحياة الجديدة. فكانت رموز الاحتفال بشمو كالتالي:
البيض وهو رمز البداية ،والذي اشتق منه شكل الصفر فيما بعد. ترمز البيضة إلى بداية حياة جديدة فهي وحدة كاملة ومستقلة فيها كل أركان الحياة (تشبه في شكلها ووظيفتها رحم اﻷم الذي يحوي بداخله الحياة الجديدة).
وكانوا ينقشون على البيضة أقوالاً مأثورة وحكماً للتذكرة بفضل الحصاد ودور الانسان في تجديد الحياة والحكمة من العودة للحياة لتكملة دورة التعلم والارتقاء مع كل حياة جديدة تبعث.
البصل بشكلة المدور ذي الحلقات المتمركزة الكاملة هو رمز الحياة اﻷبدية. فتكون الحلقات الخارجية كبيرة في الحجم وقليلة في النكهة ورقيقة في السماكة. وكلما أزلنا حلقة ازدادت الكثافة واشتدت النكهة وتركزت العصارة حتى نصل إلى قلب البصلة اﻷخضر وهو نقطة وسط الدائرة التي تحدد بدايتها وشكلها النهائي في نفس الوقت. وهو تصور المصريين لارتقاء الانسان مع كل دورة من دورات حياته.
فكانوا يصنعون من البصل قلادات يلبسونها وينقشونه على أبوابهم ويضعونه على شرفاتهم – وهي العادة التي مازالت موجودة لدينا وإن تبقت فقط لدى الطبقات البسيطة من الناس.
السمك المملح وهو يرمز لدى المصريين القدماء إلى الحياة اﻷبدية. فالسمك يرمز في بعض اﻷحيان إلى المريدين الذين يسبحون في بحار الحكمة، وتمليح السمك المقصود به المحافظة عليه من التعفن، فيعني ذلك المريد اﻷبدي أو طالب الحكمة الذي لا يموت.
الخس وهو نبات مصري قديم يرمز للخصوبة وكان يرسم على جدران المعابد كقربان للإله “مِن” وهو رمز الخصوبة وتجديد الحياة.
وبالرغم من أن عيد شمو كان في أول موسم الحصاد إلى أنه بعد دخول المسيحية إلى مصر تم تأخيره إلى ما بعد الصيام الكبير (والذي يمتنع فيه اﻷقباط عن أكل السمك) حتى يتسنى لكل المصريين الاحتفال بالعيد الذي طالما كان عيداً للجميع فوق اختلاف الدين والمذهب – ولذا فهو أيضاً رمز للوحدة!
فلنحاول سوياً أن نستعيد الوعي بأهمية التجديد للوصول لحياة أخرى أسمى وأرفع
نرتقي فيها فوق اختلافاتنا ونعيد بعث مصرنا الجديدة!
كل شم نسيم واحنا متحدين!
