المثالية

”مش هنبطل مثالية بقى!“
”خليكي إنت عايشة في عالم الكمال الوهمي ده!“
”الكلام حلو وببلاش، انزلي على أرض الواقع وتعالي نتكلم!“

جمل سمعتها في رحلتي الفلسفية من عمر الستاشر يمكن ميت مرة أو أكتر. من مدرسيني في الثانوي وأهلي وتقريباً معظم اللي كلمتهم عن أحلامي وخططي.

لما بدأت أدور ملقيتش أي مثال في المجتمع يحتذى بيه، وده مزعلنيش، بالعكس، خلاني أحس بالتميز، بس في نفس الوقت بالوحدة.

ليه المثالية بقت كلمة أبيحة؟

بتيجي إما مع التريقة والتهكم “إنت فاكر إنك هتغير العالم؟”، أو مع الترهيب والتهزيق “بكره لما تبقى أمور تهمك شخصياً هي اللي على المحك تبقى تسلملي على المثالية” أو التعليق المفضل بالنسبة لي اللي بيجمع بين الحسرة والإشفاق “صعبان عليا… معلش أصلك لسه متعرفش الواقع الأليم”، أو في أحسن الأحوال بيقابلها بعض التشجيع المحفوف بالأحكام المسبقة المتشائمة “طبعاً ده شيء نبيل.. المهم النية أكيد”

بقت كلمة محدش يحب يتوصف بيها، كأنها ”حرامي“ أو ”قليل الأدب“ ولا حتى ”أهبل“:-
º”إنت شكلك كده مثالي!!!” ° “لا والله أبداً”!
طيب خلينا الأول نعرّف الكلمة وبعدين نحاول نفهم سمعتها دي جت منين!

مين هو المثالي؟

أي حد بيحاول إنه يكون انسان أحسن ويخلي العالم من حواليه أحسن نقدر نقول عليه مثالي. باختصار الانسان اللي بيدور على مثل أعلى لنفسه يخليه أقوى ولمجتمعه يخليه أعدل وللبشرية يخليها أفضل.

حاجة جميلة. ليه بقى أمال سمعته وحشة؟

من ناحية، بنشوف كتير من المثاليين فاقدين لقدرة مهمة جداً اسمها المثابرة.
يعني بيحلم ويخطط ويفكر ولما يحاول ينفذ أول مرة ويفشل، بيستسلم.

قدام أول أو تاني أو حتى عاشر عقبة، لما مش بيعرف يتخطاها، بيستبدل مثاليته بتقبل مرير للفشل.. أو انهزام أمام حدود إمكانياته، أو تحقير لقدرته على التغيير الحقيقي. أو بيصتدم باللي الناس بحب تسميه الواقع!
فمبيفضلش معاه غير شوية أحلام ميتة بيجرجرها وراه في خيبة أمل.

بس مش هو ده المثالي اللي بتكلم عليه.

المثالي اللي أنا أقصده مش بس عنده مثابرة، لأ ده كمان بيفهم كل يوم أكتر من اليوم اللي قبله إيه اللي في إيده وإيه اللي مش في إيده. وبغير اللي في إيده، دلوقتي، النهارده، مش بكره.

طب ايه اللي في إيدي؟

اللي في إيدي هو أفكاري وأفعالي، قراراتي اللي بتنعكس على طريقة حياتي. وبس!

كل حاجة تانية مش في إيدي… زي إيه؟

زي سمعتي، زي نظرة الناس لي، زي ردود أفعال الناس التانية أو اللي بيحسوا بيه، قدراتهم وإمكنياتهم، باختصار أفكارهم وأفعالهم هم!

كمان مش في إيدي مقتنياتي المادية والعينية، زي جسمي وفلوسي وبيتي ووظيفتي ومعارفي وأصحابي ومنصبي و.. و.. و..

باختصار كل حاجة من برايا مش في إيدي، مش بتعتمد عليا ومليش سلطة عليها! يعني مقدرش أغيرها.

فكرة صادمة، مش كده؟

المثالي بيعرف إنه لازم يغير اللي في إيده الأول عشان نتكلم على تغيير أي حاجة تانية.. يعني لو مش في إيده يغير رأي الناس فيه، يقدر يغير رؤيته لأهمية رأي الناس فيه. لو مش في إيدك تمنع الناس من إنها تغلط فيك، تقدر إنك تقوي نفسك عشان متتأثرش بكده.

المثالي كمان مهتم بمجتمعه وبإزالة الظلم اللي بيشوفه من حواليه. وعارف إنه لو مش في إيده إنه يغير نظام الحكم عشان يكون عادل، يقدر قوي يخلي العدل يحكمه من جواه!

يعني تخلي تصرفاتك عادلة وأفكارك عادلة ومشاعرك عادلة وأنشطتك في حياتك عادلة، تكون عادل في حكمك وعادل في توزيع اهتمامك، يعني تقدر تخلق العدل من جواك وهتكون مثل وقدوة لكل حد هيتعامل معاك.

لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

المثالية مش بتساوي الطوباوية..

أو إن الواحد يكون عايش في عالم خيالي بناء على أوهام مش في إيده إنه يحقق أي حاجة منها. الطوباوية (اللي جاية من كلمة utopia) هي إن الواحد يكون في عز العاصفة في بحر عالي وباصص على الفنار.. بس.. بيحلم بيه وبيفكر هيعمل إيه لما يوصلله، يمكن كمان بيبدأ يتخيل نفسه هناك ويسرح بعقله وعواطفه، لحد ما ….. يلبس في أقرب صخرة أو المركب ينقلب بيه!

ولا هي بتساوي الواقعية بمعناها المادي “خليك في اللي في إيدك دلوقتي، متحلمش، متفكرش، اتصرف وخلاص”.

لأن ساعتها الواقعية دي هتكون إن الواحد في وسط العاصفة مركز بس في دفة المركبة. يحركها يمين أو شمال، يتفادى بيها موجة أو يلحق المركبة من إنها تلبس في صخرة. طيب رايح على فين؟ هتوصل إزاي؟ مفيش! لأنه مش باصص أصلاً على الفنار. أخينا الواقعي ده بعد شوية يا إما هيلاقي نفسه تاه، مش عارف هو رايح على فين ولا امتى هيوصل، أو هيلاقي نفسه تعب من التجديف من غير هدف. زي ما معظم الناس بتحس بعد ما بتشتغل … التجديف بلا هدف!

المثالي هو اللي بيحقق التوازن المثالي بين البحث عن الهدف والسعي للوصول ليه، في وسط عواصف الحياة وأمواجها المتلاطمة، مش بيشيل إيده من على الدفة، ومش بيشيل عينه عن الفنار. بيحود بمركبته في اتجاه النور، نور الفنار بيوجه دفته ومركبته بتنقله عبر العقبات.

محدش قال إن المثالية سهلة!
بس مهياش كمان مستحيلة.
اسأل نفسك هدفك إيه، إيه المينا اللي بتبحر عشان توصل لها.

ومتنساش إنك تسوق مركبتك في اتجاه المينا، اشتغل على نفسك، وجه عواطفك ونقح أفكارك واوصل بيهم لهدف حياتك. خلي شخصيتك وأفعالك مركب قوية عشان توصلك لصورة أحسن من ذاتك، للنسخة المثالية منك.

المرة اللي جاية لو حد اتهمك إنك مثالي اعرف إن مش في إيدك تغير رأيه عنك وعن المثالية لكن في إيدك تكون شعلة نار في وسط الضلمة، فنار في قلب العاصفة، الناس تقتدي بيك وتلجألك بغض النظر عن رأيهم فيك!

أضف تعليق