أي مكان نقدر نقول إنه له حدود ومركز وباب. حدود بتفصله على العالم اللي براه، بتحمي قلبه ومركزه من إن هويته تتلاشى في وسط الزحمة “الخارجية”؛ ومركز بيعبر عن أهم حاجة في المكان ده: القلب، الروح، الهدف. يعني لو المكان ده مسرح، يبقى مركزه هو خشبة المسرح. ولو جنينة تبقى النافورة أو الشجرة الكبيرة اللي المكان اتبنى حواليها. ولو المكان ده جامع أو كنيسة يبقى المنبر أو المذبح. وطبعاً المكان لازم يكون له باب بيسمح بمرور الناس من برا حدوده لجواها وزيارة قلبه.
ومن الملحوظ إن كل ما المكان يكون مهم أو قيمته عالية كل ما حدوده تكون مرسومة بوضوح، ومركزه متحدد ومحمي، وبابه محروس. وكل ما القيمة دي تكون لها قدسية خاصة كل ما الطقوس اللي بنمارسها لدخول المكان ده بتكون محددة.
ممكن الطقوس تكون إن الدخول بيستوجب ارتداء زي موحد مثلاً زي الزي المدرسي اللي مش مسموح لنا ندخل المدرسة من غيره، أو الكرافتة والفستان الرسمي اللي المفروض زوار المسرح والأوبرا يلتزموا بيهم لما يحبوا يدخلوا عالم الفن الساحر، أو رداء التخرج اللي كلنا لبسناه لما حضرنا حفلة تخرجنا من المدرسة أو الجامعة… وممكن توحيد الزي يكون عن طريق إزالة بعض العناصر أو إضافة البعض الآخر، زي مثلاً خلع الحذاء قبل دخول الجامع، أو تغطية الرأس قبل دخول الكنيسة.
طقوس دخول المكان ممكن برضو تاخد شكل تصرف معين الواحد بيقوم بيه عند الدخول أو قبل الدخول أو أول ما يدخل مباشرة. مثلاً زي إبراز كارنيه الجامعة قبل المرور من بوابة الأمن، أو الوضوء قبل دخول الجامع أو استخدام المياه المقدسة لرسم الصليب عند باب الكنيسة. وممكن يكون عن طريق عزف السلام الوطني قبل الماتش أو جرس المدرسة وتحية العلم قبل بداية اليوم الدراسي أو حتى الثلاث خبطات بعصاية المسرح قبل رفع الستارة. المهم إنه تصرف بيخلي الإنسان يدرك إنه في مكان مختلف عن المكان اللي كان جاي منه، والدخول ده بيتطلب درجة وعي أعلى عشان الواحد يكون له الحق إنه يدخل ويكون جزء من المكان الجديد ويعبر بابه ويتواجد داخل حدوده.
في مصر القديمة مثلاً معابد كتيرة كانت أبوابها أقصر من العادي وساعات مش بس الباب لكن الممر كله اللي بيؤدي لمركز المعبد بيكون ارتفاعه صغير جداً. وبغض النظر عن النظريات الغريبة اللي بتقول إن المصرين كانوا أكيد أقزام وإنهم مكانوش محتاجين أبواب أعلى من كده ، فيه وجهة نظر تانية بتقول إن الأبواب أو الممرات القصيرة دي (اللي بتسمح للإنسان إنه يعبر من بره المعبد لجواه) كانت بتخلي الإنسان يوطي رأسه ويمشي شبه راكع عشان… يحس بالتواضع! الحركة دي طبيعية جداً، بيعملها أي إنسان بيصلي، بيعملها الممثلين على المسرح لما بيحيوا جمهورهم، وكانوا فرسان العصور الوسطى بيعملوها أمام السيدات وأمام ملوكهم، ويمكن احنا كمان كنا زمان بنعملها لجدودنا أو أبهاتنا وأمهاتنا.
وتخطية العتبة دي مش نقلة جسدية من مكان لمكان، لأ دي نقلة على مستوى المشاعر والفكر، نقلة للوعي بوجه عام. كأن الواحد بيفكر نفسه “إنت دلوقتي في المكان الفلاني، اتصرف على هذا المستوى”. عشان كدا بنلاقي لسه فيه جامعات ومدارس ومتاحف ومسارح وغيرها من الأماكن بيحطوا جملة الواحد يشوفها ويقراها أول ما يخطي العتبة عشان لو كان ناسي هو فين يفتكر، ويتصرف طبقاً للدور اللي جاي يلعبه في المكان ده، سواء كان دور طالب في محراب العلم، أو دور باحث عن رقي النفس في محراب الفن، أو دور عابد في محراب الإله.
العتبة ليها دور مهم جداً في فصل أي مكان عن ما عداه. والفصل ده بيخلق درجة أسمى من الوعي، بتمكن الإنسان إنه يكون أكتر من مجرد شخص عادي، إنه ينتمي لحاجة أسمى وأكبر منه. زي بالضبط لما بندخل بيت العيلة اللي كله دفا وحب وبنحس إننا جزء لا يتجزأ من العيلة وبننتمي إليها بكياننا كله. ويمكن غياب الوعي ده يكون من أسباب إحساسنا النهارده إننا أيتام ومقطوعين من شجرة ومتسابين بره في العالم لوحدنا… في فوضى الظلم والمادية والأنانية.
مرتشيا إليادة في كتابه “المقدس والدنيوي” بيقول إن الإنسان متدين بطبعه بغض النظر هو بيتبع ديانة معينة ولا لأ. لأن كل إنسان بيدور على المقدس بالنسبة له هو، وكل إنسان عنده القدرة إنه يميز المقدس عن الدنيوي أو حتى المدنس من وجهة نظره. سواء كان المقدس ده مكان أو زمان له قدسية عن بقية الأماكن والأزمنة التانية. فلو كانت الكعبة أو بيت المقدس أو المعابد البوذية أماكن ليها قدسية خاصة عند الإنسان “المتدين دينياً” فمازال المكان اللي الواحد اتولد فيه أو المكان اللي اتجوز فيه أو المكان اللي شهد لحظة مهمة في حياته ليه قدسيته عند الإنسان “المتدين طبيعياً” – لو استلفنا وجهة نظر إليادة. والمكان ده برضو له حدود بتفصله عن اللي براه، ويمكن يكون فيه تصرفات بعينها مش هيعملها فيه لأن ليه خصوصيته أو نقدر حتى نقول قدسيته. بس قدسية غير نابعة من ديانة بعينها إنما بشكل طبيعي. وكذلك الزمان، فإن كانت رأس السنة أو الكريسماس أو عيد الأضحي أو الفطر أو مولد النبي لحظات مقدسة بالنسبة للإنسان المتدين بديانة معينة (ولو إن اللي بيحصل في الأوقات دي أبعد ما يكون عن القدسية) فبرضو عيد ميلاد الإنسان أو ذكرى وفاة شخص عزيز أو عيد الجواز أو ميلاد أولاده أو تخرجه أو، أو، أو، كلها لحظات ليها خصوصية — أو حتى ممكن نقول قدسية — بالنسبة للإنسان اللي مش بالضرورة متدين دينياً، وفيه كمان طقوس معينة بيمارسها في الأوقات دي (زي تورتة عيد الميلاد اللي بيتحط فيها شمعة وتنطفي بعد ما الواحد يتمنى أمنية، وزي السبوع المولود اللي كان بيندق فيه الهون، أو ذكرى الوفاة اللي بنزور فيها قبر الشخص ونحط عليه ورود، إلخ)
الإحساس بالقدسي ده مش حكر على الديانات بس ولكنه شعور طبيعي جداً بيميز الإنسان عن سائر المخلوقات. وكان طول عمره موجود من قبل الأديان وهيفضل موجود طول ما الإنسان إنسان. والعتبة هي اللي بتعَلِّم الباب اللي الإنسان بيعبر منه من العالم المادي والدنيوي للعالم الغير مادي والغير دنيوي عشان يتصل بما هو أسمى منه وينتمي إليه.
